ابن كثير

205

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

المسلمون . فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا ، فاقتتلوا وظهروا على المسلمين ، وذلك قول اللّه تعالى : وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ قال قتادة : وهم الذين قال اللّه : فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ قال اختلفوا فيه فصاروا أحزابا « 1 » . وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير وعن بعض أهل العلم قريبا من ذلك ، وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم ، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا ، فاختلفوا في عيسى ابن مريم عليه السلام اختلافا متباينا جدا ، فقالت كل شرذمة فيه قولا ، فمائة تقول فيه شيئا ، وسبعون تقول فيه قولا آخر ، وخمسون تقول شيئا آخر ومائة وستون تقول شيئا ، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة ، وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه ، فمال إليهم الملك وكان فيلسوفا فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم ، فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة ، ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء ، وابتدعوا بدعا كثيرة ، وحرفوا دين المسيح وغيروه ، فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها ، بلاد الشام والجزيرة والروم ، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشرة ألف كنيسة ، وبنت أمه هيلانة قمامة « 2 » على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود والنصارى أنه المسيح ، وقد كذبوا بل رفعه اللّه إلى السماء . وقوله فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على اللّه وافترى وزعم أن له ولدا ، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة ، وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم ، فإنه الذي لا يعجل على من عصاه ، كما جاء في الصحيحين « إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ « 3 » [ هود : 102 ] . وفي الصحيحين أيضا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا أحد أصبر على أذى سمعه من اللّه ، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم » « 4 » وقد قال اللّه تعالى : وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الحج : 48 ] وقال تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ [ إبراهيم : 42 ] ولهذا قال هاهنا : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أي يوم القيامة . وقد

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 8 / 341 . ( 2 ) القمامة : الدير . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 11 ، باب 5 ، ومسلم في البر حديث 62 ، والترمذي في تفسير سورة 11 ، باب 2 ، وابن ماجة في الفتن باب 22 . ( 4 ) أخرجه البخاري في التوحيد باب 3 ، والأدب باب 71 ، ومسلم في المنافقين حديث 49 ، وأحمد في المسند 4 / 401 ، 405 .